صديق الحسيني القنوجي البخاري
6
فتح البيان في مقاصد القرآن
والنطفة القطرة من الماء يقال نطف رأسه ماء أي قطر ، وقيل هي الماء الصافي ويعبر بها عن ماء الرجل والمرأة جمعها نطف ونطاف ولا يستعمل للنطفة فعل من لفظها . فَإِذا هُوَ بعد خلقه على هذه الصفة خَصِيمٌ كثير الخصومة والمجادلة والمعنى أنه كالمخاصم للّه سبحانه في قدرته مُبِينٌ ظاهر الخصومة وواضحها ، وقيل يبين عن نفسه ما يخاصم به من الباطل والمبين هو المفصح عما في ضميره بمنطقه ومثله قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [ يس : 77 ] قيل نزلت في أبيّ بن خلف والأولى أنها عامة في كل ما يقع من الخصومة في الدنيا ويوم القيامة فإنه لا اعتبار بخصوص السبب إذا اقتضى المقام العموم كما تقرر . قال الكرخي إن هذه ذكرت لتقرير الاستدلال على وجود الصانع الحكيم لا لتقرير وقاحة الناس وتماديهم في الغي والكفر . ثم عقب ذكر خلق الإنسان بخلق الأنعام لما فيها من النفع لهذا النوع والامتنان بها أكمل من الامتنان بغيرها فقال : وَالْأَنْعامَ خَلَقَها وهي الإبل والبقر والغنم ويدخل في الغنم المعز وأكثر ما يقال نعم وأنعام للإبل ، ويقال للمجموع ولا يقال للغنم مفردة ، وقال الجوهري : والنعم واحد الأنعام وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل . ثم لما أخبر سبحانه بأنه خلقها لبني آدم بين المنفعة التي فيها لهم ، قال الواحدي تم الكلام عند هذا ثم ابتدأ فقال : لَكُمْ فِيها دِفْءٌ ويجوز أن يكون تمامه عند قوله لكم . والأولى أولى وأحسن والدفء السخانة وهو ما استدفىء به من أصوافها وأوبارها وأشعارها ، قال ابن عباس : دفء الثياب أي من الأكسية والاردية قال بعض المفسرين إن في الآية التفاتا من الغيبة في الإنسان إلى الخطاب في لكم فيقتضي أن المخاطب مطلق بني آدم المندرجين تحت الإنسان . وَمَنافِعُ أي ما ينتفعون به من الأطعمة والأشربة ، قاله ابن عباس وهي درها وركوبها ونتاجها والحراثة ونحو ذلك ، وقد قيل إن الدفء النتاج واللبن قال في الصحاح الدفء نتج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها ، ثم قال والدفء أيضا السخونة ، وعلى هذا فإن أريد بالدفء المعنى الأول فلا بد من حمل المنافع على ما عداه مما ينتفع به منها وإن حمل على المعنى الثاني كان تفسير المنافع بما ذكرناه واضحا ، وقيل المراد بالمنافع النتاج خاصة ، وقيل الركوب . وَمِنْها أي من لحومها وشحومها تَأْكُلُونَ وخص هذه المنفعة بالذكر مع دخولها تحت المنافع لأنها أعظمها ، وقيل خصها لأن الانتفاع بلحمها وشحمها تعدم عنده عينها بخلاف غيره من المنافع التي فيها ، وتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص للإشارة إلى